مقالات

رأس المال البشري.. خمسة وعشرون عامًا من الاستثمار في المرأة البحرينية

لا تُقاس نهضة الأمم بما تحققه من معدلات نمو اقتصادي أو بما تشيده من مشاريع تنموية فحسب، بل بقدرتها على الاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية والأكثر استدامة. ومن هذا المنطلق، تمثل الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المجلس الأعلى للمرأة محطة وطنية تستحق التوقف عندها، ليس احتفاءً بمؤسسة رائدة فحسب، وإنما تقديراً لمسيرة وطنية أسهمت في إعادة صياغة دور المرأة البحرينية، وتحويل تمكينها إلى أحد أهم روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مملكة البحرين.

لقد جاء تأسيس المجلس الأعلى للمرأة عام 2001 برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله، في مرحلة مفصلية من تاريخ البحرين الحديث، تزامناً مع المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، الذي رسّخ مبادئ المشاركة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وإشراك جميع الطاقات الوطنية في مسيرة البناء والتنمية.

في ذلك الوقت، كان تمكين المرأة يمثل رؤية وطنية طموحة تحتاج إلى إطار مؤسسي يقودها، وإلى سياسات وتشريعات تترجمها إلى واقع ملموس. وكانت مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار والقيادة التنفيذية ومجالس الإدارات لا تزال محدودة، كما لم تكن مؤشرات تكافؤ الفرص وإدماج احتياجات المرأة جزءاً أصيلاً من منظومة الأداء المؤسسي كما هي اليوم.

وبعد خمسة وعشرين عاماً، يمكن القول إن البحرين لم تحقق تقدماً في تمكين المرأة فحسب، بل نجحت في بناء نموذج وطني متكامل جعل من المرأة شريكاً أساسياً في التنمية الاقتصادية وصناعة القرار. واليوم، لم يعد السؤال: هل تستطيع المرأة أن تقود؟ بل أصبح: كيف يمكن تعظيم أثر مساهمة المرأة في قيادة الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية المملكة؟

وتعكس المؤشرات الوطنية حجم هذا التحول. فالمرأة البحرينية تشغل اليوم 64% من الوظائف التخصصية في القطاع الحكومي، وتمثل 50% من المناصب التنفيذية، كما تشكل 66% من الأطباء البحرينيين، و83% من الكوادر التمريضية، و57% من أعضاء الهيئات الأكاديمية البحرينيين في مؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى 37% من المهندسين البحرينيين في القطاع الحكومي. كما عززت حضورها في السلطتين التشريعية والقضائية، والسلك الدبلوماسي، والقطاع المالي، وريادة الأعمال، وأصبحت شريكاً فاعلاً في صياغة السياسات العامة وإدارة المؤسسات.

هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشرات اجتماعية فقط، بل هي مؤشرات اقتصادية تعكس نجاح البحرين في تعظيم الاستفادة من رأس مالها البشري. فالاقتصادات الحديثة لا تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية بقدر ما تُقاس بقدرتها على استثمار كفاءاتها الوطنية. وكل زيادة في مشاركة المرأة المؤهلة في سوق العمل وفي مواقع القيادة تعني زيادة في الإنتاجية، وتحسيناً في جودة القرارات، وتعزيزاً للابتكار، ورفعاً لكفاءة المؤسسات، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني.

ولعل من أهم ما يميز التجربة البحرينية أنها لم تكتفِ بسن التشريعات، بل عملت على ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على تكافؤ الفرص، ودمج احتياجات المرأة في الخطط والبرامج الحكومية، وربط ذلك برؤية البحرين الاقتصادية 2030 وأهداف التنمية المستدامة، لتصبح مشاركة المرأة جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية، وليست مبادرة مؤقتة أو استجابة لظرف معين.

وقد تشرفت مؤخراً بحضور اللقاء الذي نظمه المجلس الأعلى للمرأة للإعلان عن الاستراتيجية الوطنية الجديدة لتعزيز تمثيل المرأة البحرينية في مجالس الإدارات. وقد عكس هذا اللقاء بوضوح أن البحرين انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً في مسيرة التمكين؛ مرحلة لم يعد النقاش فيها يدور حول أهمية مشاركة المرأة، وإنما حول تعظيم القيمة المضافة التي تقدمها في مواقع صنع القرار.

وقد كان من اللافت ما شهدناه من توافق بين ممثلي السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقادة القطاع الخاص، وخبراء الحوكمة وإدارة المخاطر، على أن التنوع في مجالس الإدارات لم يعد مجرد مؤشر للتمثيل، بل أصبح عاملاً رئيسياً في تعزيز جودة الحوكمة، وتحسين الأداء المؤسسي، ورفع القدرة على الابتكار، واستشراف المخاطر، وتحقيق الاستدامة.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية العالمية أن المؤسسات التي تستفيد من تنوع الخبرات في مجالس إداراتها تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية متوازنة، وأكثر مرونة في مواجهة التحديات، وأكثر جاذبية للاستثمار. ومن هنا، فإن الاستراتيجية الجديدة للمجلس الأعلى للمرأة تمثل خطوة اقتصادية بقدر ما هي خطوة اجتماعية، لأنها تسهم في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية.

ومن واقع تجربتي الممتدة لأكثر من ستة وعشرين عاماً في القطاع المصرفي، والاستشارات الاستراتيجية، والحوكمة، وريادة الأعمال، أرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على الاستثمار في إعداد قيادات نسائية تمتلك الخبرة في الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، وإدارة المخاطر، بما يواكب التحولات العالمية ويعزز مكانة البحرين كمركز إقليمي للابتكار والحوكمة.

لقد أثبتت البحرين خلال ربع قرن أن تمكين المرأة ليس مشروعاً اجتماعياً فحسب، بل هو قرار اقتصادي واستراتيجي يعزز تنافسية الدولة ويزيد من إنتاجية رأس المال البشري. فكل امرأة تصل إلى موقع قيادي تضيف قيمة جديدة للاقتصاد الوطني، وكل فرصة متكافئة تمنح لكفاءة بحرينية هي استثمار في مستقبل المملكة.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المجلس الأعلى للمرأة، نستذكر بكل فخر الرؤية الاستثنائية لصاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، التي آمنت منذ البداية بأن الاستثمار في المرأة هو استثمار في الوطن. واليوم، وبعد خمسة وعشرين عاماً، تؤكد الإنجازات أن تلك الرؤية لم تكن مجرد طموح، بل مشروعاً وطنياً ناجحاً أسهم في بناء نموذج بحريني رائد في تمكين المرأة، أصبح محل تقدير وإشادة على المستويين الإقليمي والدولي.

وبين عام 2001 وعام 2026، لم تتغير مكانة المرأة البحرينية فحسب، بل تطورت فلسفة التنمية في البحرين نفسها. فقد أثبتت المملكة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن تمكين المرأة ليس تكلفة على الاقتصاد، بل أحد أكثر الاستثمارات الوطنية عائداً واستدامة، وأن بناء المستقبل يبدأ بإطلاق طاقات جميع أبناء الوطن وبناته دون استثناء.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى